محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
39
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الحاثلة بينها وبينه ، وما أحسن قول « ابن الفارض » « 1 » في هذا المعنى : وعد من قريب فاستجب واجتنب غدا * وشمّر عن الساق اجتهادا بنهضة وكن صارما كالوقت فالمقت في « عسى » * وإيّاك « مهلا » فهي أخطر علّة وسر « زمنا » وانهض كسيرا فحظّ * ك البطالة ما أخّرت عزما لصحّة « 2 » وجذّ بسيف العزم « سوف » فإن تجد * تجد نفسا فالنفس إن جدت جدّت لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها ، فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج . كما أنه إذا كان المرء على حالة لا توافق غرضه كانت متعلّقة بالدين أو بالدنيا لا ينبغي له أن يروم الخروج منها بنفسه ويعارض حكم وقته ، فيحدث فيه غير ما أظهر اللّه فيه ، كما تقدّم في قوله « ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره اللّه فيه » مع الشرط المتقدم وهو أن لا يكون في ذلك مخالفة أمر أو ارتكاب نهى ، فينبغي له أيضا أن لا يعارض حكم الوقت ويطلب من مولاه أن يخرجه منها ويستعمله فيما سواها ؛ لأن هذا من التخيير على اللّه تعالى ، ولا خيرة له في ذلك ، بل ينبغي له حسن الأدب معه وإيثار مراده به على اختياره هو ، وحينئذ يتحقق بحال يتعرف فيها محبّة اللّه تعالى وإرادته له فيستعمله استعمالا محبوبا عنده مع بقائه على حالته التي هو عليها ، فيكون إذ ذاك بمراد اللّه تعالى له ، لا بمراده لنفسه ، وهو خير له مما اختاره . قال في « التنوير » : « يحكى عن بعضهم أنه كان يقول : « وددت لو أنني تركت كلّ الأسباب وأعطيب كل يوم رغيفين » يريد بذلك أن يستريح من تعب الأسباب ، قال : فسجنت ، ثم كنت في السجن يؤتى إليّ كل يوم برغيفين فطال ذلك عليّ حتى ضجرت ، ففكرت يوما في أمري ، فقيل لي : إنك طلبت منّا كل يوم رغيفين ولم تطلب منّا العافية ، فأعطيناك ما طلب ، فاستغفرت اللّه من ذلك الذنب ورجعت إلى اللّه تعالى ، فإذا بباب السجن يقرع ، فتخلّصت وخرجت . قال فيه : فتأدب أيها المؤمن ، ولا تطلب أن يخرجك من أمر ، ويدخلك فيما
--> ( 1 ) عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل ، المصري المولد والدار والوفاة ( 576 - 632 ه - 1181 - 1235 م ) أبو حفص وأبو القاسم ، شرف الدين ابن الفارض ، أشعر المتصوفين يلقب بسلطان العاشقين . في شعره فلسفة تتصل بما يسمى « وحدة الوجود » نشأ بمصر ، ولما شب اشتغل بفقه الشافعية وأخذ الحديث عن ابن عساكر ، ثم حبب إليه سلوك طريق الصوفية ، فتزهد وتجرد . له ديوان شعر . ( الأعلام 5 / 55 ، وشذرات الذهب 5 / 149 ، ووفيات الأعيان 3 / 454 - 456 ) . ( 2 ) زمن : مرض مرضا يدوم زمانا طويلا ، وضعف بكبر سن أو مطاولة علة .